السيد حيدر الآملي
292
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ذو العقل ، هو الذي يرى الخلق ظاهرا ويرى الحق باطنا ، فيكون الحق عنده مرآة للخلق لاحتجاب المرآة بالصورة الظاهرة فيه احتجاب المطلق بالمقيّد . ذو العين ، هو الذي يرى الحق ظاهرا والخلق باطنا ، فيكون الخلق عنده مرآة الحق ، لظهور الحق عنده واختفاء الخلق فيه اختفاء المرآة بالصورة . ذو العقل والعين ، هو الذي يرى الحق في الخلق والخلق في الحق ، ولا يحتجب بأحدهما عن الآخر ، بل يرى الوجود الواحد بعينه حقّا من وجه ، وخلقا من وجه ، فلا يحتجب بالكثرة عن شهود الوجه الواحد الأحد ، ولا يزاحم في شهوده كثرة المظاهر ، أحديّة الذات التي يتجلّى فيها ، ولا يحتجب بأحديّة وجه الحق عن شهود الكثرة الخلقيّة ، ولا يزاحم في شهوده أحديّة الذات المتجلّية في المجالي كثرتها « 55 » . والحقّ أن هذا نظر شريف وتقسيم لطيف حسن ، وإلى المراتب الثلاث أشار العارف ( محيي الدين العربي ) نظما وهو قوله : ففي الخلق عين الحق إن كنت ذا عين * وفي الحق عين الخلق إن كنت ذا عقل وإن كنت ذا عين وعقل فما ترى * سوى عين شيء واحد فيه بالشكل « 56 » هذا آخر ما أردنا إيراده من بحث التأويل وتعريفه وبحث كيفيّة القراءة بالنسبة إلى الكتاب الآفاقي والكتاب الأنفسي والجامع بينهما الذي هو القرآن ، وبحث الأسباب لهذه القراءة ، من التقوى والرياضة والهداية الحاصلة منهما ، وحيث تحقق هذا ، فلنشرع في الوجه الثاني ، وبحث وجوب هذا التأويل وهو هذا :
--> ( 55 ) قوله : أشار الشيخ الكامل كمال الدين عبد الرزاق ، أشار به في رسالة الاصطلاحات المطبوعة في حاشية شرح منازل السائرين ص 179 . ( 56 ) قوله : ففي الخلق عين الحق إن كنت عين الخ . من أشعار صاحب الفتوحات ، الفتوحات ج 2 ، ص 290 .